أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
162
العقد الفريد
على وجه الأرض ، وإذا هو أصلع ؛ فقال صاحبي وكان أعور : دعني حتى أسائله . قلت : دونك . قال : جعلت فداك ، ما أنت ؟ قال : نبي ! قال : وما دليلك ؟ قال : أنت أعور عينك اليمنى ، فأقلع عينك اليسرى تصير أعمى ؛ ثم أدعو اللّه فيردّ عليك بصرك ! فقلت لصاحبي : أنصفك الرجل ! قال : فاقلع أنت عينيك جميعا ! وخرجنا نضحك . المأمون وآخر : وأتي المأمون بإنسان متنبئ ، فقال له : ألك علامة ؟ قال : نعم . علامتي أني أعلم ما في نفسك . قال : قرّبت عليّ ؛ ما في نفسي ؟ قال له : في نفسك أني كذاب ! قال : صدقت ! وأمر به إلى الحبس فأقام به أياما ؛ ثم أخرجه فقال : أوحى إليك بشيء ؟ قال : لا . قال : ولم ؟ قال : لأن الملائكة لا تدخل الحبس ! فضحك المأمون وأطلقه . متنبئ اسمه نوح : وتنبأ إنسان وسمى نفسه نوحا صاحب الفلك ؛ وذكر أنه سيكون طوفان على يديه [ يهلك به الناس ] إلا من اتبعه ، ومعه صاحب له قدر آمن به وصدّقه ، فأتي به الوالي فاستتابه فلم يتب ، فأمر به فصلب ، واستتاب صاحبه فتاب ؛ فناداه [ المتنبئ ] من الخشبة : يا فلان ، أتسلمني الآن في مثل هذه الحالة ؟ فقال : يا نوح قد علمت أنه لا يصحبك من السفينة إلا الصاري « 1 » ! المأمون وثمامة مع متنبئ : قال : وحمل إلى المأمون من أذربيجان رجل قد تنبأ ، فقال : يا ثمامة ، ناظره . فقال : ما أكثر الأنبياء في دولتك يا أمير المؤمنين ! ثم التفت إلى المتنبئ فقال له : ما شاهدك على النبوّة ؟ قال : تحضر لي يا ثمامة امرأتك أنكحها بين يديك ، فتلد غلاما ينطق في المهد يخبرك أني نبي ! فقال ثمامة : أشهد أن لا إله إلا اللّه وأنك رسول اللّه !
--> ( 1 ) الصاري : عمود يقام في السفينة يشد عليه الشراع .